فخر الدين الرازي

189

القضاء والقدر

الثالث : وهو الوجه الأقوى أنه ليس المراد من هذه المناظرة : الذم على المعصية ، ولا الاعتذار منه بعلم اللّه . بل موسى صلى اللّه عليه وسلم سأله عن السبب الحامل له على تلك الزلة ، حتى خرج بسببها من الجنة . فقال آدم صلى اللّه عليه وسلم : إن خروجي من الجنة ، ما كان بسبب تلك الزلة ، بل كان بسبب أن اللّه كان قد كتب عليّ أني أخرج إلى الأرض ، وأكون خليفة فيها . وهذا المعنى كان مكتوبا في التوراة ، فلا جرم كانت حجة آدم قوية ، وصار موسى عليه السلام في ذلك كالمغلوب . الرابع : إن قوله : « كيف تلومني على أمر قدره اللّه عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة » ؟ ليس المراد من لفظ التقدير هاهنا : الخلق والتكوين . لأن فعل الإنسان ، قبل خلق ذاته بأربعين سنة : محال . بل المراد من هذا التقدير : هو أنه تعالى كتب ذلك في اللوح المحفوظ . والتقدير بهذا التفسير مما لا نزاع في إثباته البتة . فهذا جملة كلام المعتزلة على استدلال أصحابنا بهذا الخبر : والجواب : أما قوله : « رواية أبي هريرة مضطربة في هذا الخبر » قلنا : جميع الروايات مشتملة على التعليل بتقدير اللّه . ودليلنا : هو هذا القدر المشترك « 1 » . قوله ثانيا : « كيف يشافه الولد والده بالسوء ، لا سيما إذا كان الولد من أكابر الأنبياء » ؟ قلنا : لا نسلم أن ذلك من باب المشافهة بالسوء . بل كان ذلك من باب الشكاية . قوله ثالثا : « الصادر من آدم كان من باب الصغائر ، فلا يجوز أن يلام عليه » قلنا : لا

--> ( 1 ) قلت : حجة موسى عليه السلام وفق هذه الروايات المختلفة كانت دلالتها واحدة وهي أن آدم عليه السلام أخرج نفسه وذريته من الجنة بسبب ذنبه : « أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة » « أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة » وفي رواية بزيادة « بذنبك » ؛ « أنت آدم الذي أخرجت ذريتك من الجنة » ؛ « أنت آدم الذي أخرجتك خطيئة من الجنة » « أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة » ؛ ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض » ؛ « فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة » . أما حجة آدم عليه السلام فمدلولها رغم اختلافات ألفاظ الروايات واحد وهو أن لوم موسى منصب لا على الذنب بل على قدر الإهباط من الجنة نفسه وأن ذلك القدر مكتوب على آدم قبل خلقه بل وقبل خلق السماوات والأرض . أنظر إلى الروايات التالية : - « تلومني على أمر قدّر ( أو قدّره اللّه ) علي قبل أن أخلق . . . » . « كتب عليّ قبل أن يخلقني » . - أتلومني على أمر قدر اللّه علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة . . » . - « أفتلومني على أن عملت عملا كتبه اللّه علي قبل أن يخلقني بأربعين عاما » . - « فبكم وجدت اللّه كتب التوراة قبل أن أخلق . . أفما وجدت أن ذلك كان في كتاب اللّه قبل أن أخلق » ؟ . - « فبم تلومني على شيء سبق من اللّه تعالى فيه القضاء قبلي » . - « . . قبل أن يخلق السماوات والأرض » .